Image.png

بعد دقائق فقط من وصولي للعاصمة موسكو قبل 24 ساعة من حفل إفتتاح بطولة كأس العالم لكرة القدم إنتابني شعور غريب لا يضاهى بالسعادة و الفخر كوني جملة صغيرة من السمفونية التي ستعزف أمام أكثر من ملياري مشاهد باليوم التالي. الشوارع المزينة و اللوحات الإعلانية الضخمة بساحات العاصمة المختلفة حمستني أكثر لليوم الكبير ، و لكن قبل ذلك توجهت مباشرة إلى شارع محطة  لوبيانكا الشهير و الذي تتجمع به جماهير كرة القدم بمختلف ثقافاتها و لغاتها و جنسياتها ليهتف كلٌ لمعشوقه!

بعد وصولي بساعات تفاجئت بحقيقة إغلاق بعض المواقع التاريخية كالساحة الحمراء و كاتدرائية القديس باسيل لأسباب أمنية غير أني لم أكترث حيث وجدت سعادتي بشارع محطة لوبيانكا الذي إحتضن بين زواياه و على أرصفته ثقافات العالم أجمع ، فهاهي مجموعة من المشجعين الروس تهتف إلى جانب مجموعة من الأرجنتينيين و أخرى من البيرو و أخرى من مصر ، و كلما تقدمت أكثر بهذا الشارع صادفت أعلام مختلفة ترفرف و لغات مختلفة تصرخ بها عشرات الآلاف من الحناجر المتنافسة فيما بينها ، لقد كان ذلك المشهد المفعم بالحب و الشغف لكرة القدم و الرياضة بشكل عام أجمل من أي شيء شهدته بحياتي كلها ، عندها فقط صفنت لبرهه مقلباً الكلمات برأسي متسائلاً ، يا ترى لماذا لا نبقى هكذا على الدوام؟ إن كنا قادرين على خلق السعادة فما لنا و الحروب و العداوات؟

على أية حال واصلت مسيري على طول ذلك الشارع حتى إستسلم هاتفي النقال من كثرة الصور التي إلتقطتها لتلك المشاهد الرائعة ، لم أعد أطيق حالة الإنتظار التي عشناها حينها ، كانت الحماسة قد إستحوذت علي تماماً ، عدت إلى نُزُلي على بعد 15 دقيقة من وسط المدينة ، و بدأت أقلب السيناريوهات الممكنة لمباراة منتخبنا أمام روسيا ، و كلها لأكون صادقاً كانت سيناريوهات ممكنة عقلاً و منطقاً ، و لكننا جميعاً شهدنا اللامعقول باليوم التالي ، و تلك قصة شهدها العالم أجمع بمختلف قاراته ، و يا لها من قصة موجعة لنا كسعوديين!

ما فاجأني يوم الإفتتاح أكثر من أي شيء آخر هو عدد السعوديين المتواجدين بملعب المباراة ، و لأكون دقيقاً بالأرقام كنت قد توقعت حضور حوالي 5 آلاف سعودي بالقسم المخصص للجماهير السعودية خلف المرمى و لكن ما شهدته هو تواجد جماهيري سعودي مخيف تجاوز الـ 15 ألف شخص بشتى زوايا ملعب المباراة الذي يتسع لـ 80 ألف مشجع ، إلى درجة أنه لا يمكنك أن تنظر حولك إلا و أن تجد علماً أخضراً أو ملابس خضراء أو وجوه مصبوغة بالأخضر! للأسف كل هؤلاء ممن تعنى المسافة و مشقة السفر لدعم المنتخب سيخرجون بخيبة أمل كبيرة ، كلما نظرت حولي وجدت إبتسامات مليئة بالغضب و الحسرة مع كل هدف دخل مرمى منتخبنا الوطني ، لم نخسر فقط بل كسرت عزيمتنا بتلك المباراة و لم نعد قادرين على التحدث عن منتخبنا لأيٍ كان طوال فترة تواجدنا بموسكو بعد أن كان ذلك جل حديثنا بالـ 24 ساعة السابقة.

من حسن حظي أن برنامجي إحتوى مباريات أخرى ساعدتني على نسيان مباراة الإفتتاح المأساوية بسرعة بالغة ، لقد إستمتعت حقاً بكل دقيقة بعد ذلك سواءاً بموسكو أو روستوف التي زرتها لمشاهدة مباراة البرازيل و سويسرا.

تجربتي مع الروس

المخاوف التي إعترتني إتجاه روسيا إختفت تماماً بعد قضائي ساعتين فقط وسط العاصمة موسكو ، عندما تقابل الروس وجهاً لوجه ستتمكن و بسرعة بالغة من لمس حس التكبر بالشخصية الروسية ، و لكنك بنفس الوقت ستلمس رغبة صادقة بإخفاء ذلك الوجه أمام الزوار ، ربما لآنهم يريدون إنجاح هذا الحدث التاريخي مهما كلف الأمر ، و كأي مدينة بالعالم لابد من أن تصادف بعض المواقف من قبل بعض الأشخاص ممن تتملكهم السلبية بالتعامل مع الآخرين ، لكن التجربة بشكل عام كانت جيدة و التعامل من قبل الأغلبية العظمى من السكان المحليين كان أكثر من جيد.

أكبر المشاكل التي واجهتني شخصياً كانت التعامل مع السكان المحللين باللغة الروسية ، فبإستثناء الموظفين بمطار موسكو لا يتحدث إلا قلة قليلة من سكان موسكو اللغة الإنجليزية ، و على ذلك كان التواصل مع الروس صعب للغاية ، فـ لكي أقوم بحجز طاولة بأحد المطاعم على سبيل المثال و بغض النظر عن وقت الإنتظار الطويل بسبب الإزدحام فأنا بحاجة لإيصال رسالتي بلغة الإشارة بأحيان و بتطبيقات الهواتف اليدوية بأحيان أخرى ، و تخيل مثلاً أنك تريد أن تطلب ساندويتش من غير طماطم أو مايونيز! إنسى الأمر يا صديقي و لا تضيع وقتك بالشرح.

تنظيم روسيا للحدث كان جيد للغاية ، أينما ذهبت ستجد العشرات من المنظمين بكل شارع رئيسي لإرشاد الجماهير ، بالإضافة إلى اللوحات و الأعلام الإرشادية الموجودة عند كل زاوية ، هذه المجموعة من الشباب الروسي المثقف كان تواجدها مهم جداً بالنسبة لي و خلال أكثر من مناسبة ، أحد هؤلاء قضى معي نصف ساعة كاملة لمساعدتي و التأكد من وصولي لمقصدي بالوقت المناسب.

قصص و أحداث كثيرة أحملها بجعبتي بعد زيارتي لمدينتي موسكو و روستوف قد أحكيها بمناسبات قادمة ، لكني أود فقط أن أؤكد من خلال هذا المقال على نجاح التجربة الروسية ، أنصح أصدقائي ممن قلبوا فكرة الذهاب إلى روسيا بخوض هذه التجربة ، لكن تذكروا أنه حدث عالمي شديد الإزدحام ، قد لا تكون هذه الرحلة مناسبة للعائلات و تحديداً غير مناسبة للأطفال ، أما البالغين من الجنسين ممن هم بصحة جيدة فأنصحهم بإستغلال الفرصة و حضور هذا الحدث.

محمد محفوظ

Written by mohammed mahfoudh

مجرد كاتب .. أرى هذا العالم بمنظور خاص قد يكون مختلف بشكل نسبي عمّن حولي .. أعشق القراءة و الكتابة عن مواضيع كثيرة من بينها علاقات الدول السياسية الإقتصادية، التغيرات المناخية و تأثيرها على الإقتصاد العالمي و الحياة على كوكبنا الأزرق بشكل عام .. أسافر كثيراً للتعرف على ثقافات مختلفة عن ثقافتي و ثقافة المجتمع الذي يحيط بي .. أعشق المغامرة إلى حد بعيد و أسعى دائماً لاكتشاف المزيد من الحقائق .. أزاول الرياضة و أسعى دائماً لتشجيع من حولي لدخول قوقعة النشاط التي أعيش بداخلها.

5 comments

  1. نورتنا أستاذ محمد ، ما شاء الله عليك انا متابعك بتوتير و انستغرام حقيقة وضعتنا بقلب الحدث

    يعطيك العافية

    Liked by 1 person

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s