يُعرّف الاقتصاد السلوكي على أنه العلاقة التي تجمع عملية اتخاذ القرارات الاقتصادية و المالية بالنواحي النفسية، أي أنه مزيج بين الاقتصاد و علم النفس بمنظور أوسع، و يستخدم هذا العلم بشكل ملحوظ من قبل أكبر شركات العالم مثل قوقل و آبل و فيسبوك، كما تستمد منه معظم شركات التجارة الالكترونية أفكارها من منطلق أن التركيز يجب أن يعتمد على تجربة العميل لا الأرقام التي يجلبها معه و هي الفكرة التي يتبناها عمالقة المال و الأعمال بالعالم من أمثال جيف بيزوس.

 فهم تجربة العميل من منظور اقتصادي و نفسي يعتبر أثمن ما يمكن التحصل عليه بعالم اليوم حيث يتيح ذلك للمؤسسات العملاقة فرصة فهم طبيعة السوق ثم التأثير على ذلك السوق بشكل مباشر بالاعتماد على تحليل وافي للطريقة التي يعمل بها العقل البشري بكل سوق على حدة، كلنا نعلم بأن اتخاذ العميل للقرارات يعتمد اعتمادًا مباشرًا على المنفعة التي سيستمدها من عملية اتخاذ ذلك القرار، و لكن يجب علينا أن نتذكر بأن رغبات العميل دائمًا ما تكون مرتبطة بقدرته المالية و التي يبني عليها بالضرورة عملية اتخاذ قراره، و حتى إن كان الشخص يتمتع بقدرة مثيرة للاعجاب على ضبط النفس فإنه بالنهاية لابد و أن يتأثر بسيل من العواطف و العوامل الخارجية الأخرى التي سترغمه على اتخاذ القرار الخاطئ الذي قد يدر أقل نسبة ممكنة من المنفعة عليه، هذه بكل بساطة هي الطريقة التي ينظر بها الاقتصاد السلوكي للعميل.

يعتمد الاقتصاد السلوكي اعتمادًا مباشرًا على عاطفة البشر و تأثرهم المتواصل بالمتغيرات من حولهم، فمثلاً تصدر شركة آبل آيفون جديد بتكلفة تصنيع عند 160 دولار، يقر القائمون على المنتج السعر عند 450 دولار، و لكن المنتج يطرح بالأسواق عند 650 دولار، ثم ينخفض هذا السعر تدريجيًا حتى يصل لحاجز الـ 450 دولار و هي قيمة المنتج الحقيقية، قد يكون العميل قد إستغلى سعر المنتج عند حاجز 650 دولار و لكن بعد هبوط السعر تدريجيًا سيتغير ذلك الشعور تلقائيًا إلى أن يقتنع بأن الفرصة قد حانت و أن إتمام عملية الشراء مقابل 500 إلى 450 دولار تعتبر صفقة رابحة له و لمحفظة نقوده، و لكن بواقع الأمر لم تخفض الشركة شيئاً من قيمة الهاتف الحقيقية و التي وضعت عند حاجز الـ 450 دولار، إدراك الشركات لافتقار نسبة لا بأس بها من العملاء للموضوعية و العقلانية بالشراء يشجعهم على تطبيق الاقتصاد السلوكي لرفع نسبة الأرباح و الرفع من أسهم الشركة.

العاطفة جزء لا يتجزأ من دائرة اتخاذ القرار عند البشر و هو أمر يجب أن يأخذ بعين الاعتبار قبل اعتماد أي قرار اقتصادي على مستوى محلي أو حتى دولي، تأثير ذلك قد يكون مدوي على دول بحد ذاتها، آلان غريينسبان محافظ البنك المركزي الأمريكي الأسبق لعشر سنوات اعترف بعد الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008 بأن النظريات التي أُعتمد عليها بذلك الوقت لم تتمكن من التنبؤ بالأزمة لأنها بكل بساطة لم  تأخذ بعين الاعتبار العامل النفسي للبشر، هذا الفشل شجع على تطوير و دراسة النظريات المختلفة إلى أن وصلنا لنظرية الاقتصاد السلوكي التي طورها ريتشارد ثيلر و حصل على إثرها على جائزة نوبل بالاقتصاد عام 2017.

هذه النظرية تفرض على المُصنع و المُسوق أن يطرح عدد من الأسئلة التي قد تساعده على قراءة طريقة تفكير عميله بطريقة أفضل، فلماذا يبدو العميل مهتمًا بهذا المنتج؟ ما هي المقومات و الأسس التي ستؤدي إلى إحساس العميل بالرضى؟ ما هي الطرق التسويقية التي ستتيح لي بأن أُقنع العميل على شراء المنتج بسعر مرتفع؟ كيف يمكن أن أقنع العميل بعلامتي التجارية؟ ما هي ردة فعل العملاء على المدى القصير و كيف يمكن أن أحسن من تجربة العميل على المدى الطويل؟ و العديد من الأسئلة الأخرى التي تساعد الشركات على تحسين خدماتها و تحقيق أرباح لا بأس بها و كلها مرتبط ارتباطًا وثيقًا بطريقة تفكير العميل.

بات الاقتصاد السلوكي جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية على مختلف الأصعدة، تستخدمه اليوم الحكومات و المؤسسات العملاقة و حتى الشركات متوسطة الحجم للتنافس بسوق مزدحم للغاية، الجميل بهذه النظرية أنها يمكن أن تستخدم من قبل الجميع بلا استثناء، لا يجب أن تمتلك مؤسسة بقيمة مليار دولار لتدرس و تطبق الاقتصاد السلوكي، يمكن أن تكون بائع بيتزا على ناصية الشارع أو بائع قهوة بأحد المراكز التجارية، الجميع يمكنهم استخدام هذه النظرية لتسويق منتجاتهم بالطريقة المثلى، أما بالنسبة للعميل فمع الأسف ليس هنالك طرق علمية ثابتة لتفادي الوقوع بأفخاخ العروض المبنية على أسس الاقتصاد السلوكي، و لكن ينصح دائمًا بأن يتحلى العميل بالصبر و أن يغلب التحليل المنطقي لمنفعة السلعة على عاطفته التي قد تحمله على سلك طريق على حساب آخر، كما يُنصح العميل بالبحث عن بدائل لكل منتج و المقارنة بين أسعار و نوعية المنتج قبل اتخاذ قرار حاسم بشأن عملية الشراء، فالبدائل عادة ما تكون متوفرة سواءًا محليًا أو خارجيًا، و حتى عندها قد لا يكون ذلك كافيًا للهرب من الواقع القاسي لاقتصاد اليوم.

نظرية الاقتصاد السلوكي هي أول نظرية فعلية تربط بين الاقتصاد و النواحي النفسية للإنسان و قد وجدت رواجًا فعليًا بالسنوات الثلاث الأخيرة بشتى أنحاء العالم لفعاليتها و إحداثها لفارق حتمي و مباشر على أرض الواقع، مع تطور النظم و النظريات الاقتصادية بالقرن الحادي و العشرين تبدو النظرية الأكثر رواجًا و فعالية بين أبناء جيل الألفية الذين استوعبوا الدرس بسرعة و باتوا يبحثون اليوم عن دراسة تجربة العميل بشكل مستفيض بدلاً من البحث عن ربح فوري قصير المدى قد لا يخدم المؤسسات على المدى الطويل.

للمهتمين بهذه النظرية ينصح بالاطلاع على المراجع التالية:

Predictably Irrational – The Hidden Forces That Shape Our Decisions
Misbehaving : The Making of Behavioral Economics

Written by mohammed mahfoudh

مجرد كاتب .. أرى هذا العالم بمنظور خاص قد يكون مختلف بشكل نسبي عمّن حولي .. أعشق القراءة و الكتابة عن مواضيع كثيرة من بينها علاقات الدول السياسية الإقتصادية، التغيرات المناخية و تأثيرها على الإقتصاد العالمي و الحياة على كوكبنا الأزرق بشكل عام .. أسافر كثيراً للتعرف على ثقافات مختلفة عن ثقافتي و ثقافة المجتمع الذي يحيط بي .. أعشق المغامرة إلى حد بعيد و أسعى دائماً لاكتشاف المزيد من الحقائق .. أزاول الرياضة و أسعى دائماً لتشجيع من حولي لدخول قوقعة النشاط التي أعيش بداخلها.

One comment

  1. بالفعل أستاذ محمدالاقتصاد السلوكي مهم جدا و احدث نقله نوعية بالأسواق العالمية

    كتاب ريتشارد ثيلر مشوق سبق و ان اطلعت عليه و انصح الجميع به.

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s