نتائج الانتخابات البريطانية .. انتصار ساحق للبريكسيتيرز

بالثاني و العشرين من يونيو من عام 2016 توقفت الملايين من القلوب عن العمل للحظات بالمملكة المتحدة على وقع إعلان نتائج الاستفتاء الشهير الذي قرر من خلاله غالبية أبناء الشعب البريطاني إخراج بلادهم من منظومة الاتحاد الأوروبي مرة واحدة و إلى الأبد، نتائج ذلك الاستفتاء شكلت صدمة غير متوقعة لليسار الليبرالي و مناصري العولمة و الذين تفاجؤا من رفض المواطن البريطاني البسيط الخطة المستقبلية التي خطها هؤلاء لبريطانيا و العالم، و لعلنا نتذكر هذا الحدث جيدًا فحينها كان الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما من مناصري “البقاء” بل و قد جاهر بمشاعره أثناء زيارة له للمملكة المتحدة لدعم صديقه ديفيد كاميرون و الذي بدوره دعى للاستفتاء لإخراس الأصوات اليمينية المطالبة باستقلال القرار البريطاني عن المنظومة الأوروبية غير أن ما تحصل عليه كان مخالف تمامًا لتوقعاته و هو ما تسبب باستقالته.

إذًا انتصر اليمين على اليسار بهذا الاستفتاء أو لنكون أكثر دقة هكذا صور لنا سياسيو الصف الأول مدعومين بوسائل الإعلام الموقف حينها، أنها حرب ضروس بين اليمين و اليسار و أن الشعب البريطاني شُوش على أفكاره و لم يكن واعيًا لحقيقة هذا الاستفتاء و مخاطره على مستقبل بريطانيا و العالم، و على ذلك و منذ ذلك الاستفتاء الشهير دخلت المملكة المتحدة دوامة من الاقتتال السياسي العلني بين يمين محافظ و يسار ليبرالي و طبقة من رواد الأعمال صُهرت بالمنتصف بين حقوق هذا و ادعاءات ذاك، أتت ثيريزا ماي كرئيسة وزراء واعدةً الشعب البريطاني بتحقيق “بريكسيت” غير أنها فشلت و تنحت بدورها لـ بوريس جونسون الذي وجد الساحة السياسية مليئة بالصعوبات و العراقيل منذ البداية، ثلاثة سنوات كاملة حاول خلالها المحافظون إكمال خروج بلادهم من الاتحاد الأوربي غير أنهم فشلوا بعلامة امتياز وسط انقسام بالبرلمان و حرب ضروس شنها اليسار ممثلاً بحزب العمال و قائده جيريمي كوربن على تلك المساعي.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد فقد اتخذ جيريمي كوربن و حزبه اليساري موقفًا عدائيًا لفكرة الخروج من منظومة الاتحاد الأوربي معتمدين بشكل أساسي على انقسام البرلمان و استحالة تمرير القرار عن طريقه، ليبدأ الحزب و قائده بعد ذلك الترويج لفكرة إجراء استفتاء جديد تحتكم فيه كل الأطراف المتنازعة لقرار الشعب، الغريب بهذه المقاربة أن اليساريين طالبوا بتطبيق أسس الديمقراطية بإجراء استفتاء آخر غير أنهم لم يروا بالوقت نفسه أن الاستفتاء الأول استشفى النهج الديمقراطي على اعتبار أن الشعب حينها شوش عليه من قبل مواد إعلانية نشرت معلومات كاذبة، بدى اليساريون حينها كالطفل الصغير الرافض لفكرة عدم قدرته التحصل على قطعة من الحلوى، فإما أن نتبع الطريق الديمقراطي و أفوز أنا و إلا سنعيد الكرّه حتى نتحصل على ما نريد؟

ظهر بوريس جونسون الذي يمكن تعريفه على أنه أحد أفضل سياسيي العصر الحديث تمكنًا و إجادةً لإدارة الحملات الإنتخابية بفكر مختلف بعض الشيء عمن سبقه، طريق بريكسيت كان مغلقًا أمامه و على ذلك كانت الإنتخابات المبكرة فرصته الوحيدة لتحقيق مراده، اللطيف بالأمر أن اليساريين و المعارضين لفكرة الخروج من الاتحاد الأوربي لم يعارضوا هذا التوجه بناءًا على ثقتهم بوعي الشعب البريطاني الذي تشبع بأفكارهم المعارضة لبريكسيت خلال السنين الثلاث الأخيرة و على ذلك رحبوا بالفكرة معتبرين أنها فرصتهم لقتل بريكسيت إلى الأبد.

نتائج الانتخابات أتت صارخة مدوية واضحة و لا يمكن تأويلها، حيث تحصل حزب المحافظين بقيادة رئيس الوزراء بوريس جونسون على أغلبية ساحقة ستضمن له استكمال مساعيه بإخراج بريطانيا من منظومة الاتحاد الأوروبي مع نهاية شهر يناير 2020، كل ما كان حزب المحافظين بحاجه له هي 326 مقعد برلماني غير أنهم تحصلوا على 364 مقعد مما يعني أغلبية كافية للسيطرة على الحكومة و تمرير بريكسيت بأسرع وقت ممكن، أداء حزب المحافظين بهذه الانتخابات هو الأداء الأفضل منذ مارغاريت ثاتشر بعام 1987 و هي فترة ليست بالبسيطة مما يدعونا للقول بأن هذه الانتخابات بما لا يدعو للشك غيرت رسم الخريطة السياسية الحديثة للمملكة المتحدة.

و لربما أبرز الاستنتاجات التي يمكن رسمها مع نهاية الانتخابات تتعلق بإصرار الشعب البريطاني على قراره الحاسم عام 2016 برفض العولمة و الخروج من منظومة الاتحاد الأوربي، و هو ليس انتصار لـ بوريس جونسون فحسب بل أيضًا لـ دونالد ترامب الذي دعى البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوربي عام 2016 و يتخذ مواقف سياسية مماثلة ضد العولمة و فرض الليبرالية العالمية قسرًا على الشعوب من قبل سياسيي الصف الأول سواءًا بالولايات المتحدة أو بمنظومة الاتحاد الأوروبي، الآن بات الطريق ممهدًا لاتفاق تجاري ضخم بين الولايات المتحدة و بريطانيا بمعزل عن الأوربيين الذين باتوا على يقين أن تأثيرهم داخل أسوار المملكة المتحدة لم يعد كما كان سابقًا قبل عشرة إلى عشرين سنة مضت حيث تساقطت قوى اليسار كأوراق الخريف واحدة تلو الأخرى، قائدة الحزب الليبرالي الديمقراطي خسرت مقعدها البرلماني في مفاجئة مدوية، بينما تعرض حزب العمال لصفعه بخسارته 42 مقعد مع أداء مخيب بشمال بريطانيا و أسوء أداء عام للحزب منذ 1935.

إذًا كسب بوريس المعركة أخيرًا، و الأهم من ذلك كله أن الشعب البريطاني الذي سأم محاولات اليسار المتواصلة طوال ثلاثة سنوات لتعطيل بريكسيت و تغيير مسار قرار الشعب قد حسم أمره و بعث برسالة واضحة المعالم لا يمكن تأويلها على الإطلاق، بالرغم من محاولات كثيرة لتعطيل بريكسيت و بالرغم من ساعات طويلة خصصتها بعض الشبكات الإعلامية الشهيرة من أمثال سي إن إن و بي بي سي المائلة لليسار للتحذير من مخاطر بريكسيت و محاولة إقناع المواطن البسيط بالعدول عن قراره و تصحيح طريقة تفكيره و نظرته للعالم من حوله إلا أنه على ما يبدو لم يعد تأثير هذه الشبكات على العقول كما كان بالعقود الماضية، لم يعد المتلقي على استعداد لمنح ثقته لهذه الشبكات الإعلامية التي باتت متحيزة بقدر كبير و فاضح لطرف على حساب آخر و هو ما يتعارض مع رسالة الإعلام الحقة و ينفر المتلقي من تخصيص جزء من وقته اليومي للاستماع و الاستفادة من نقاش يتحمل وجهتي نظر لا وجهة نظر واحدة.

1 comment

  1. بالفعل هو انتصار لصوت الشعب البريطاني بعد محاولات اليسار المتكررة لتغيير المسار و اجراء استفتاء ثاني

    يعطيك العافية أستاذ محمد

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: