ضياع الحياد في زمن الأزمات

لطالما كانت المؤسسات الإعلامية بشتى صورها وسيلة أساسية لتثقيف و إعلام المتلقي البسيط بما يدور حوله من متغيرات على مستوى مختلف المجالات، أتذكر أني كنت أُهرول صوب التلفاز بعد عودتي من المدرسة ببداية الألفية الجديدة لاستمتع بتغطيات سي إن إن الإخبارية، كنت أبحث دائمًا عن وسيلة تضعني بقلب الحدث، وسيلة تساهم برفع مستوى الوعي و الثقافة العامة لدي بشكل دوري، وللأمانة كنت محظوظًا حينها بمتابعة فطاحلة الإعلام الحر بزمن بدت فيه الحياة بسيطة غير معقدة، على أقل تقدير إلى حين..

منذ ذلك الوقت طرأت على واقعنا العديد من المتغيرات التي تسببت بلا أدنى شك بتأثيرات ملموسة على الطريقة التي تتعامل بها المؤسسات الإعلامية مع الحقيقة، فمن أحداث 11 سبتمبر إلى حروب أفغانستان و العراق إلى انتخاب باراك حسين أوباما كأول رئيس أمريكي من أصول إفريقية إلى غضب شعبي عارم من سياسات غيرت من الأسس الثقافية الاجتماعية الأمريكية المتعارف عليها إلى ردة فعل مباشرة بانتخاب دونالد ترامب، خوف فأمل عقبه المزيد من الخوف و لا نزال ندور بهذه الدائرة المفرغة.

و مع تتابع هذه الأحداث و تشكل النظام العالمي الجديد بالولايات المتحدة و أوروبا مع بداية استلام باراك أوباما للسلطة عام 2008 دخل العالم أجمع بدوامة جديدة كليًا من الانقسام الحاد، فمع تنامي سلطة التيارات اليسارية بالولايات المتحدة و أوروبا تأثرت المؤسسات الإعلامية و التعليمية إلى حد لا يمكن إنكاره حتى باتت القيم و المبادىء اليسارية تعامل على أنها قوانين صحيحة لا يمكن المساس بها، و بدأت هذه الموجة اليسارية باجتياح العالم مع تنامي شهرة باراك أوباما حتى وصولنا لمرحلة المواجهة المباشرة بين اليمين و اليسار مع حلول عام 2016 و هي المواجهة التي أطاحت بالنظام العالمي اليساري (المعتمد على الأسس الليبرالية القحة) بعد خسائر مدوية ببريطانيا و الولايات المتحدة و عديد الدول الأوربية الأخرى، عند هذه النقطة جُن جنون المؤسسات الإعلامية لتتخلى تمامًا عن شرف المهنة و تمتهن حرب التأثير المباشر بشكل علني فاضح لم يعد يخفى على أحد.

هنا قد يتساءل البعض، و ماذا يعني كل هذا بالنسبة لنا؟ الإجابة التي لا يجب أن تفاجئك هي “كل شيء”، ببساطة لأن كل ما تراه أو تسمعه أو تتفاعل معه هذه الأيام يدار من قبل مؤسسات إعلامية تلعب دورًا بهذا الصراع بين اليمين و اليسار، القنوات الإخبارية و الصحف و المجلات الأمريكية، ووسائل التواصل الإجتماعي مثل فيسبوك و تويتر، وشبكات المشاهدة مثل نيتفليكس و أمازون… و أشياء كثيرة يستخدمها معظمنا بشكل يومي، كلها باتت تدار وفق أجندة و قيم التيار الداعم فقط لا غير، و لم تعد هذه المؤسسات الإعلامية تهتم بوجهة نظرك كمشاهد حول تغطيتها، أبدًا فقد وصلنا لزمن تراشق إعلامي علني بين مقدمي سي إن إن و نظرائهم بشبكة فوكس، حتى الأدوية المستخدمة بعلاج فايروس كورونا لم تسلم من هذا الانقسام، ببعض الأحيان قد توصف بالعنصرية من ذات مقدمي البرامج فقط لأنك تختلف معهم بوجهات النظر حول قضايا رأي عام، و اذا لم يعجبك الأمر عزيزي المشاهد غير القناة أو توقف عن استخدام وسيلة التواصل التي قد تحجب تغريدتك وفق قوانين و أنظمة داخلية لا تبدو هذه المؤسسات مستعده لمناقشة مدى حياديتها من عدم ذلك.

تثقيف النفس بالميلان الفكري لكل مؤسسة إعلامية أو وسيلة للتواصل الاجتماعي أو خدمة للمشاهدة من هذا المنطلق هو واجب على كل شخص على حدة، فلا تتفاجأ عندما تقرأ مقالة تجرم أوباما بنيويورك بوست، و لا تستغرب من مقالات الحط من ترامب بنيويورك تايمز، لكل مؤسسة توجه و ليس هنالك مثالية بهذا العالم المنقسم على نفسه، لا أعتقد بأننا مررنا بمثل هذه الأجواء العاصفة التي تغلب فيها المشاعر على الفكر و العلم و القيم من ذي قبل، و لكنه عالم يجب أن نتعايش معه، هذا هو قدرنا.

قدري أن أتعايش مع وجهة نظر الليبرالي و القيم التي تحكم حياته، و ذات التعامل مع المحافظ الذي يرى الحياة بشكل مختلف تمامًا عن سابقه، لكن بنهاية الأمر لا يجب أن أُخير بين يمين أو يسار و لا يجب أن أربط أفعالي بقيم الآخرين، ولا يجب أن أُصدق كل ما يقال أو كل ما تحاول المؤسسات الإعلامية أو التعليمية بمختلف مجالاتها أن تقنعني به، فأنا القاضي و أنا الحكم لكل ما يدور بحياتي، أطبق قيمي الخاصة و مبادئي الخاصة و أبني بها جيلًا قادرًا على الإيمان بطاقته الضمنية و تغيير العالم من حوله، غير أن أول درس يجب أن يستوعب بشكل جيد مفاده أن الحياد لم يعد من الأساسيات و القيم المتبعة بالمؤسسات التعليمية و الإعلامية الأمريكية الأوربية، لذا ابحث عنه بنفسك.

Written by mohammed mahfoudh

مجرد كاتب .. أرى هذا العالم بمنظور خاص قد يكون مختلف بشكل نسبي عمّن حولي .. أعشق القراءة و الكتابة عن مواضيع كثيرة من بينها علاقات الدول السياسية الإقتصادية، التغيرات المناخية و تأثيرها على الإقتصاد العالمي و الحياة على كوكبنا الأزرق بشكل عام .. أسافر كثيراً للتعرف على ثقافات مختلفة عن ثقافتي و ثقافة المجتمع الذي يحيط بي .. أعشق المغامرة إلى حد بعيد و أسعى دائماً لاكتشاف المزيد من الحقائق .. أزاول الرياضة و أسعى دائماً لتشجيع من حولي لدخول قوقعة النشاط التي أعيش بداخلها.

2 comments

  1. سلمت أناملك أستاذ محمد

    بالفعل تحدثت بلساننا و أعتقد بأن كل من درس بالخارج خلال العقد الأخير قد أحس بما ذكرت بالمؤسسات التعليمية المختلفة بالولايات المتحدة و بريطانيا، القيم اليسارية متأصلة هناك بأغلب المؤسسات بلا أدنى شك

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: